قارن موقع "انترناشونال افيرز" بين الصراع الحالي مع إيران، و"الدروس المستفادة" من قرار رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن الكارثي، في عام 1956، عندما انضم إلى فرنسا وإسرائيل للإطاحة بالرئيس المصري جمال عبدالناصر من خلال إلحاق هزيمة عسكرية كبيرة به.
مع ذلك، أشار إلى ثمة قيودٌ هامةٌ تحول دون الاستناد إلى كارثة السويس كدليلٍ لما قد يحدث بعد سبعين عامًا، لافتًا إلى أوجه التشابه، إذ وصف حرب السويس بلا شك، والحرب الإيرانية على الأقل، على الأرجح بأنها مسيرةً من الحماقة منذ البداية. كلا الصراعين أُشعلا من قِبل قادة غربيين مدفوعين بدوافع عاطفية، دون أهداف استراتيجية موثوقة أو وسائل لتحقيقها.
ترامب وإيدن ودروس التاريخ
وقال إن كلاً من ترامب وإيدن لم يعرا أي اهتمام لدروس التاريخ ولا للدوافع الكامنة وراء تصميم خصومهما على مقاومة هجماتهما العسكرية، فعند اختيارهما خوض الحرب، لم يكن هناك أي ربط منطقي بين استخدام القوة العسكرية المتفوقة وتعزيز عملية سياسية لتحقيق نتائج المعركة المتوقعة.
وعلى الرغم من النجاحات العسكرية التكتيكية، إلا أن الضغوط الاقتصادية - كالذعر من الضغط الأمريكي على الجنيه الإسترليني، ورفض أيزنهاور تعويض النقص في إمدادات النفط إلى بريطانيا من الشرق الأوسط - فضلاً عن الإدانة الدولية، أدت إلى إحباط البريطانيين وإذلالهم، وقد اندلعت كلتا الحربين، إلى حد كبير، نتيجةً لتطورات في العواصم الغربية، بحسب التقرير.
وفي حالة مصر، قال إن تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، أثار ردود فعل عدائية من المملكة المتحدة ومستخدمي القناة الآخرين، بما في ذلك أستراليا، عقب قرار الولايات المتحدة برفض طلب تمويل متقدم لمشروع السد العالي في أسوان.
وتحت ضغط سياسي داخلي من مزارعي القطن الأمريكيين، فضلاً عن القلق بشأن مواقف مصر في السياسة الخارجية، أشار إلى أن الولايات المتحدة قوضت مشروعًا محوريًا في أجندة جمال عبد الناصر الداخلية، ومما أثار استياء المصريين، أنها بررت قرارها بالشك في قدرة مصر على تنفيذ مثل هذا المشروع.
وفي حالة إيران، قال التقرير إنه كان من المؤكد أن تظل القضايا النووية عالقة بعد أن قرر ترامب، من جانب واحد، التخلي عن الاتفاق النووي مع إيران ودول رئيسة أخرى، والذي تم التفاوض عليه بعناية فائقة في عهد إدارة أوباما. وقد مارست إسرائيل ضغوطًا على ترامب لشن الحملة الحالية، تمامًا كما شجعت إسرائيل على الانضمام إلى فرنسا في مهاجمة مصر.
اختلافات جوهرية
من جهة أخرى، أبرز التقرير اختلافات جوهرية جديرة بالاعتبار، تتمثل في العمق الفكري والحكمة والفطنة لدى الشخصيات التي تُشكّل العلاقة الأنجلو-أمريكية حاليًا تختلف. وكذلك يختلف ميزان القوى في هذه العلاقة. فعندما طُرحت فكرة الهجوم الإسرائيلي الفرنسي المشترك على البريطانيين، وافق عليها إيدن، مدركًا معارضة أيزنهاور الشديدة لها. وبصفته الشريك الأصغر في العلاقة الأنجلو-أمريكية، ولكنه كان مصممًا على تدمير ناصر، لم يستشر إيدن أيزنهاور، ودفع ثمن هذا القرار، وكذلك بريطانيا.
ثمة قيد تحليلي ثانٍ يلفت الانتباه إليه، يتمثل في الفرق بين الدور الذي لعبته آليات الأمم المتحدة واستخدام الأطراف الرئيسة لهذه الآليات، آنذاك والآن. فبالإضافة إلى غضبه من ازدواجية إيدن وعدم اكتراثه بنصيحته، كان أيزنهاور مصممًا على أن تكون الأمم المتحدة هي الأداة التي يجب من خلالها وقف الهجوم على مصر وعكس مساره. أما الدبلوماسية البريطانية الداعمة لحملتها فكانت فوضوية.
وتابع التقرير في رصد وتحليل السياسات البريطانية أنذاك: "كان المسؤولون البريطانيون (والأستراليون) ينتظرون التعليمات من لندن في كثير من الأحيان، بينما كان إيدن وحكومته يحاولون، في أغلب الأحيان دون استشارة مسؤوليهم، المضي قدمًا دون تخطيط مسبق. ولم يؤيد أي عضو في حلف الناتو الإجراءات البريطانية والفرنسية في الأمم المتحدة".
وعلى الرغم من أن المصريين قاتلوا ببسالة، إلا أن القوات الإسرائيلية بدعم فرنسي استولت بسرعة على سيناء - بسرعة كبيرة لدرجة أنه كان لا بد من إقناع إسرائيل بسحب إعلانها الأولي عن وقف إطلاق النار في نيويورك، حتى يتمكن البريطانيون من المضي قدمًا في هجومهم المخطط له، والذي كان من المفترض أن يتم تنفيذه لحماية القناة.
وأدى استخدام إيدن لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرار الولايات المتحدة الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار إلى إحالة القضية على الفور إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب إجراء "التوحد من أجل السلام".
وبعد انتهاء الأعمال العدائية، لم يتمكن البريطانيون من منع التأسيس السريع، بقيادة وزير الخارجية الكندي ليستر بيرسون، لعملية حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار.
إغلاق القناة
في بداية الصراع، أشار التقرير إلى براعة ناصر الدبلوماسية المتمثلة في إغلاق القناة باستخدام سفن الحصار، مما مكنه من فرض شروط إعادة فتحها. ورفض السماح بإعادة فتح القناة حتى انسحاب آخر قوات الاحتلال الإسرائيلي من سيناء، بناءً على إصرار الولايات المتحدة.
وإذ أصرّ ناصر على حق مصر السيادي في تحديد القوات التي يمكنها العمل تحت قيادة الأمم المتحدة على أراضيها، فقد حرص أيضًا على أن يكون جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من دول لا تشكل أي تهديد لحكومته.
أما القيد الثالث الذي يحول دون الاعتماد على قناة السويس كمؤشر للتطورات المستقبلية المتعلقة بإيران فهو الاختلاف الجوهري في السياق التاريخي، كما يقول التقرير.
كانت المخاوف الكامنة وراء النهجين الفرنسي والبريطاني تجاه مصر تنبع من التساؤلات المفتوحة حول نهاية الإمبراطورية. فبالنسبة للفرنسيين، انتهت الهند الصينية، وتراجعت سيطرتهم على الجزائر. أما بالنسبة لبريطانيا، فقد خسرت هيمنتها على النخيل والصنوبر أمام واقع ما بعد الاستعمار المتمثل في عدم الانحياز الآسيوي، بقيادة الهند والصين.
وكان هناك تصميم على المستويات الشعبية في معظم أنحاء العالم العربي على مقاومة الهيمنة الغربية، وهي حركة استغل ناصر طاقتها المكبوتة بفعالية، وفق التقرير.
ولم يكن بإمكان البريطانيين الاعتماد على الدعم الأمريكي. فعلى الجانب العربي من الخليج العربي، كان البريطانيون والأمريكيون (الذين يسعون لحماية مصالحهم النفطية في المملكة العربية السعودية) قد دعموا في وقت سابق أطرافًا متنازعة في النزاع على واحة البريمي.
وحتى في الحالات التي لجأ فيها البريطانيون إلى الولايات المتحدة طلبًا للمساعدة، كما هو الحال في الإطاحة السرية بالحكومة القومية في إيران عام 1953، قال التقرير إن الأمريكيين استغلوا النتيجة التي هندسوها بشكل كامل لتأمين حصة من ثروة إيران النفطية.
وفي نهاية المطاف، رأى التقرير أن أزمة السويس لم تكن متعلقة بالقناة، ولا حتى بناصر. بل كانت متعلقة بإصرار بريطانيا وفرنسا على التشبث ببقايا نظام إمبريالي لم يعد قابلاً للاستمرار. كان لدى واشنطن فهمها الخاص لكيفية تنظيم النظام الدولي، ولم تكن أوهام ما بعد الاستعمار - في ذلك الوقت - جزءًا من تفكيرها.
وختم التقرير، قائلاً: "كان آخر زئير للأسد البريطاني في السويس، لكن الأمر كان قد حُسم قبل ذلك بكثير".
https://www.internationalaffairs.org.au/australianoutlook/from-the-canal-to-the-gulf-similarities-and-differences/

